|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
WELCOME VISITORS
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
جميع الخلائق مُـوات Creation Dead |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| أشكـال وأحـوال الموت | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** كل حياة لها بداية ونهاية إلا الحي القيوم، ونحن نتناول الحديث عن الموت هنا من زوايا خاصة، لأننا نرى الإنسان منذ النشأة الأولى في عالم الذي ثم انقلب إلى عالم الأرحام، ثم خرج إلى عالم الحياة الدنيا، ثم يدخل جسده القبر بينما تعود روحه إلى عالم آخر، حتى يأتي الوقت ويصير الكل فيه عدم ومُوات عند نفخة الصعق، وتظل جميع المخلوقات هكذا إلا ما شاء الله تعالى. ** ثم يُحي الله إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور نفخة البعث فتقوم الأرواح نشورا كحميل السيل ثم تأتي أفواجا للحساب في أرض جديدة كفاثورة الفضة لم يُعص الله عليها طرفة عين فيقضي الملك الديان بينها، ثم يصيرون إلى فريقين: إلى الجنة أو إلى النار خالدين فيها أبدا.. نسألك اللهم أن تجعلنا من ورثة جنة النعيم آمين. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
أحْــوَالُ القـَــبر |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** روى الإمَام أبو عيسَى الترمذي، عن أبي هُرَيرة رضي اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ:"إذا قُبرَ المَيِّتُ أتَاهُ مَلكَان أسْوَدَان أزرَقان، يُقالُ لأحَدِهِمَا المُنْكَرُ والآخرُ النَّكِيرُ، فيَقولان: مَا كُنتَ تقولُ فِي هَذا الرَّجُل؟، فيقولُ مَا كَانَ يَقولُ: هوَ عَبدُ اللهِ ورَسُولُهُ، أشهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فيَقُولان: قدْ كُنَّا نَعْلمُ أنَّك تقُولُ هَذا، ثُمَّ يُفسَحُ لهُ فِي قبْرهِ سَبعُونَ ذِرَاعاً في سَبعِينَ، ثُمَّ يُنوَّرُ لهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقالُ لهُ: نمْ، فيقُولُ: أرْجعُ إلَى أهْلِي فأخْبرهُمْ، فيَقُولان: نمْ كَنوْمَةِ العَرُوس الذي لا يُوْقِظهُ إلاَّ أحَبُّ أهْلِهِ إليْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ اللهُ مِن مَضْجَعِهِ ذلِكَ، وإنْ كَانَ مُنَافِقاً قال: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فقلتُ مِثلهُمْ لاَ أدْري، فيَقُولان: قدْ كُنَّا نَعْلمُ أنَّك تقُولُ ذلِكَ، فيُقَالُ لِلأرْض إلتئِمِي عَليْهِ، فتَلتَئِمُ عَليْهِ، فتختَلِفُ فِيهَا أضلاعُهُ، فلا يَزالُ فِيهَا مُعَذباً حَتَّى يَبْعَثهُ اللهُ مِن مَضْجَعِهِ ذلِكَ". ** لقد مر بنا زماناً يُوصِي فيهِ المُقرَّبُون بأن نقوم بغسْلِهم وتكفينِهم ووضعِهم في قبُورهِم، والاطمئنان الأخير عليهم، وأذكُرُ أنَّ والدي "رحِمَهُ الله"، قال لي: عندما ترى عَلامات دُنـُوْ أجلي، فلا تفارقني لحظة واحدة حتى تضعني في قبرى، بعد أن تقوم بكُل المَهَام اللازمة لي خطوة.. خطوة.. على الوجه الأكمل. ** وقد كان كما أوصى تماماً. ** فالمُحتضر أو المُقبلُ على المَوْت يشعُرُ أنَّ هذا العالم الجديد غريب عليه، وهُوَ في حاجةٍ لِمَن يأخذ بيدِه، ويكون بجانبه يُرشِدَهُ ويَدُله على أوَّل الطريق الصحيح، الذي ربَّمَا تختلطُ عليه مَعالِمه، ويَغِيب عن الكَثيرين ثقافة المَوْت التي يجبُ أنْ تتوفر لدى كل الناس. ** ومن هذا المُنطلق أتيحت لي فرصَة دُخـُول المَقابر كثيرا، وواجهت بداخلها احتمالاتٍ شتى، وشاهدتُ أحوال المَوتى الذين اشتركتُ في دفنهم من قبل، ولم أترك أية مُلاحظة أسجلها على حالة المَوتِ السَّابقةِ أو الحالية، وغالبا كُنتُ أدخلُ ذاتِ القبُور التي أعرفها، وفي جميع المَرَّات بلا استثناء لم أجد تغيُراً قد حدث، ولو في حالة واحدة للموتى الذين تركتهم من قبل، تلفهُم أكفانهُم، وعليها نفس التراب الذي عَسَفتهُ عليها دون أي تغيُر ملحوظ للعين. ** نفس الكلام يقوله الفلاسفة ومن تمذهب من الإسلاميين بمَذهبهم، هُم يؤمنون به ويعتقدون ذلك، ونحن إنَّما أوردناهُ لكي نرُد عليهم، ونقيم الحُجَّة المنطقية، والدليل التام، والبرهان الصادق، على أنَّ الآيات والأحاديث التي أخبرتنا عن عذاب القبر، إنَّما حدَّثتنا عن أمر واقع بالفعل، له وُجود حِسِّي ومَادِّي في الحقيقة، ولا يُمكن تجاهل مُؤشِّراته ودلالاته التي نـُوَضِّحها فيما يأتي: ** أوَّلاً: إنَّ المَلائكة القادمون من العالم غير المَنظور "عالم الرُّوح"، لا يُتاحُ للبشر فرصة رُؤيتهم في عالمنا المنظور، نظراً لذبذبات أجسامهم العالية جداً، والتي تـُعَدُّ من الطيف غير المنظور، الذي يتعدَّى 750 مليار ذبذبة / ثانية بمَرَاحِل كثيرة، وهذا ما أوردناهُ من قبل. ** ثانيـاً: إنَّ الرُّوحَ التي تعود عناصر خلقها إلى العالم غير المنظور، بمجرد خروجها من الجسم تدخلُ إلى عالمها، فيجري عليها ما يَجري على الملائكة بالنسبة لنا، فلا نـُدركُ ما يُصيبها من خير أو شرٍّ، حيث أنَّ أحداث عالم الرُّوح لا تـُقاسُ بمقاييس البشر. ** ثالثـاً: في الأحلام والرُّؤىَ أثناء النَّوم قد يَرى اثنان ينامان على سرير واحدٍ مَنامَيْن مُختلفين، فيَرى أحدهما حُلماً سَرَتْ فيه رَوْحه، فصادفها جمهرة من الشياطين لعبت معها، فعاشت كابوساً ثقيلاً، لهثت فيه الأنفاس حتى كادت تتقطع، وسال فيه العَـرق الغزير من الجسم الذي كاد أن يلفظ أنفاسه، وأمَّا الثاني فقد أُسْريَ بروحه إلى مَصاف عُلويَّة، وَمَنَّ اللهُ عَليهِ بعطايا إلهيَّة، فاستضافه في قصر القرب من حضرة الرَّب، هل يستوي هذا وذاكَ مثلاً؟، أحدهما يصرخ فزعاً، والثاني يهيمُ وَجْداً، والرَّائي لهُمَا معاً لا يُدرك إلا أنهما في سُباتٍ عميق، حالهُمَا حالُ المَيِّتِ الذي دُفِنَ في قبره، فإنَّ الرُّوح وما تلاقيه محجوبٌ لا تـُدركه أبصار الناس في الحياة الدنيا. ** رابعـاً: مما سبق نعرف أنَّ الرُّوح تتبعُ عالمها الخاص، وهو عالم لا تجري أحداثه بزماننا ولا مَقاييسنا البشريَّة، وهي إذ تعبُرُ إلى عالمِهَا "بعد الحياة الدُّنيا"، فإنها تخلع الجسم الـترَابي حيث تتركه للدود، أو لكي يَلقيَ مَصيره المَحتوم، من حرق أو غرق أو فناءٍ، وترتدي جَسَداً ثانياً، تتكون عناصره من عَالم الرُّوح ويُناسبُ حياة المرحلة المُقبلة، وما فيها من عذاب أو نعيم، فجسد الدُّنيا مثلا لا يتحمل ضربة مرزبَّة واحدة من ضربات المَلكين عند السؤال، أو ربَّما يكون قد احترق، أو تفتت على أثر انفجار أودي به، وتلاشى عن آخره، ولم يبق منه شيء. ** خامِسـاً: إن الرُّوح عند مُغادرتِها للجسم، يبقى لها تعلُّـقٌ به من نوع آخر، أو تعلُّـق بالمكان الموجود فيه رُفاتِهِ، إنْ كان قد تمَّ إحراقه مثلا، كما يَفعلُ الهندوس بالهند، أو تلاشى ولم يبق منه أي أثر، وخلال هذا التعلُّق يُعادُ عليها شريط الذكريات على امتداد العُمُر، وأوله سؤال الملكين عن: الرَّب، والرسالة، والرَّسـُول، حتى يشهد الإنسان بنفسه على نفسه، أنَّه كان من المُوَحدِين، أو من الغافلين، وقد عَلِمْنَا أنَّ النفس لديها عُلومها المُكتسبة لا ينقص منها شيء، لذلك فإنَّ المَلكين عندما يُجيبُ عليهما يقولان: "قدْ كُنَّا نَعْلمُ أنَّك تقولُ هَذا"، ولكنهما أرادا أنَّ يُسَجِّلا شهادته على نفسه بعد رحلة الحياة الدُّنيا. ** سـادساً: إنَّ الرُّوح لا تعود للجسد حال السؤال وإن كان الجسد صالحاً لذلك، لأنَّ المَوت يَقع على الإنسان مَرَّة واحدة، وعودتها ولو لجزءٍ منهُ يُعتبرُ نوعاً من الحياة مرَّة أخرى لهذا الجزء، وهو ما ينافي صريح الكتاب في قوله: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) سورة غافر، من الآية 11. فكانت الأرواحُ مَيتة في عالم الذر، ثمَّ أحياها في الحياة الدُّنيا، ثمَّ يُمِيتها في آخرها ثمَّ يُحييها يَوم القيامة، وهو قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) سورة البقرة، الآية 28. وهذا أبُو بكر رضِيَ اللهُ عنه عندما كشف الغطاء عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، فقبَّـلهُ وقال: "بأبي أنت وأمِّي، أمَّا المَوْتة التي كتبَ الله عليك فقد ذقتهَا، ثمَّ لن تصيبَك بعدها مَوتة أبداً"، فقد جزمَ أنَّ المَوت يذوقه الإنسان مَرَّة واحِدة في نهاية الحياة الدُّنيا، ثمَّ بعدها إلى خلود. ** سَـابعاً: إنَّ الرُّوح عندما تلاقي خيراً عند سُؤال المَلكين، فإنَّهَا تريدُ أن تطمئِنَ الأهل الذين تركتهم، وهي مَازالت مُتعلِّقة بهم، فتقول: أرْجعُ إلَى أهْلِي فأخْبرهُمْ؟، فلا يُسمَحُ لها بذلك أبداً، وهُوَ عَكس ما قاله الأرواحيُّون من: أنَّهُم يَسْتحضرُون أرواح الموتى، ويتحدَّثون مَعهُم في جلساتٍ خاصَّة، فإنَّ الأرواح لا تستطيع العودة من البرزخ، إلى الحياة الدنيا، بنص القرآن الكريم: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)، فيَأتيه الجواب الذي يمنعه من العودة مرة أخرى إلى الحياة الدُّنيا بأيِّ شكل مِن الأشكَال، وهي قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، ثمَّ يُؤكِّدُ على أنَّ الرُّوح لا تستطيع العودة إلى الحياة الدنيا، حتى يوم القيامة، بقوله تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، سورة المؤمنون، الآية 100. ** فكيف يعود مرَّة أخرى إلى الحياة الدنيا، حيث يستطيع مُخاطبة الأحياء؟؟.. وتقديم المساعدة.. وإسداء النصح لهم، وغير ذلك مِمَا يدَّعيه الذين يقومون بتحضير الأرواح، والأشـباح…. ** ثـامِناً: التئامُ الأرض على جسم الميت حتى تختلف أضلاعه، كما ورد في الحديث: "فيُقَالُ لِلأرْض إلتئِمِي عَليْهِ، فتَلتَئِمُ عَليْهِ، فتختَلِفُ فِيهَا أضلاعُهُ"، أمْرٌ واقعٌ لا مَحالة على جسم الرُّوح الجديد، والذي يُناسبُ هذه المرحلة التي تحياها الرُّوحُ بعد مُغادرة الحياة الدُّنيا، ومُفارقة الجسد الذي قضت معه تلك الفترة بفجورها، أو تقواها، فتعيش في عالم له مُواصفاته الجديدة، ولا يستطيع جسد الدُّنيا أبداً مُسَايرة تلك المُواصفات. ** تاسـعاً: قوله: "فلا يَزالُ فِيهَا مُعَذباً حَتَّى يَبْعَثهُ اللهُ مِن مَضْجَعِهِ ذلِكَ"، قد يُعطِي أيضاً فرْصة لمن يقول: أنَّ جَسَدَ الدُّنيا يُصاحِبُ الرُّوح في الآخرة وأنَّه يُعَذب، ولكنَّنا نقول إنَّ النَّعيمَ والعذابَ في القبر يَكونُ لنفس وحَوَاس الرُّوح وجسدها الجديد، وضيقُ القبر أو اتساعه أمرٌ وَاقعٌ أيضاً بمعايير الآخرة التي لا تتسع لها مَدَاركنا وعُقولنا، ولا يُمكن لِمُفردات الكلام التي نستعملها أنْ تعبِّرَ عنها، لذلكَ يُقال في وصف الجنَّة: "فيها مالا عَيْنٌ رَأت، ولا أذنٌ سَمِعت، ولا خطرَ عَلىَ قلب بَشرْ"، لأنَّ مُفرَدَات الكلام الذي نستعمله، لا تستطيع التعبير والإحاطة بوصف الجَنَّة، لأنها ببساطة من مخلوقات عالم الرُّوح، الذي يَقعُ خارج مقاييسنا، وحساباتنا، وجميع عُلُومنا قاصرة في التعبير عنه. ** عاشـراً: تعلُّق الرُّوح بالجسد له ثلاثُ صُوَر: ** الصُّـورة الأولى: عبارة عن تغلغل في جميع خلايا الجسد والهيمنة عليه، بدءاً من النفخ في بطن الأم بعد 120 يوماً من الحمل، وحتى نهاية عُمر الحياة الدُّنيا. ** الصُّـورة الثانية: أثناء الرُّؤى والأحلام في النَّوْم، وهو تعلق جُزئي بالمخيخ الذي يتولىَ إدارة شئون الجسم أثناء الرُّؤيا، حيثُ ترتبطُ الرُّوح بالجسم في تلك الأثناء بالحبل الفِضِّي. ** الصُّـورة الثالثة: تعَلُّقٌ مَحدُودٌ بالجسد في القبر، أو بالمكان الذي يُوجدُ فيهِ أغلبُ أجزائِه، وهُوَ تعَلُّقٌ نضربُ له مَثلا لتقريب فهمه، بالمركبة الفضائيَّة في أجواز الفضاء، لها تعلُّقٌ بمحطة المُتابعة الأرضيَّة، والتلفاز له تعلُّقٌ بمَحَطة الإرسال، وغيرها، بدون وُجُود سِلك يربطُ تلك المحطة والمركبة أو الجهاز، أو وُجُود "حبل فضِّي للرُّوح" يربط بينهما، فيَطَّلِعُ بذلك التعَلُّق على أخبار الجانب الآخر. ** الحَادِي عَشـر: ينتج عن ذلك التعَلُّق الذي ذكرناه في البند الثالث، وقوع النعيم أو العذاب على الرُّوح مَعَ جسد الآخرة الجديد، أمَّا جسد الحَياة الدُّنيَا فيلزمه لكي يشعر بالنعيم أو العذاب، أن تعُودَ خلايا الإحساس، التي يبلغ تعدادها خمسة ملايين خلية للعَمل مَرَّة أخرى، وهذا مُسْتحيل لمُفارقة الرُّوح ـ الباعثة للحياة ـ للبدن، وانقطاع مرحلة التوافق التي كانت بينهما، وانتهاء زمن الاختبار في الحياة الدنيا. ** الثاني عشـر: عند المَوْت تأتي ملائكة الرَّحمة لرُّوح المؤمن المُحتضر بأكفان وحنوط من الجنَّة، كأطيب من ريح المسك، وتأتي ملائكة العذاب بأكفان وحنوط من النار كأنتن جيفة على الأرض، هكذا بَصَّرَنا القرآن والسُّنة بما لم يكن به لدينا علم، وكان من الغيبيات، فنحن الآن على يَقِين من أنَّ الرُّوح يتم تكفينها في عالمها "غير المنظور" بما يُناسب نعيم أو عذاب المرحلة المُـقبلة، ومن البديهي أنَّ الكفن يكونُ لِجسم جديد يُصَاحِبُ الرُّوح في هذه المرحلة، ولا يكونُ "للجسم الفيزيقي" الذي يبلى ويأكله الدُّود، وينتهي دوره؛ لأنَّ "النفس الأثيريَّة"، لها في كل مَرحلة جسم جديد خاص بهذه المَرحلة. ** فإنَّهَا في عالم ما قبل الولادة، المسمى: عالم الذر، لها كيان وجسم خاص. ** وفي الحياة الدُّنيا يُوجد لها جسم تحكمه مجموعة شهوات تدفعُهَا إلى التعفف أو إلى الانزلاق وراء تلك الشَّهوات. ** وفي الآخرة حيثُ دار انتظار الثواب، أي نتيجة الامتحان، فعناصر الجسد هُناك من مَوَاد العالم "غير المنظور"، التي تناسب وجود الرُّوح في البرزخ، أو الهاوية، وبناءً عليه فإنَّ للجسد كفناً خاصاً، وهُوَ ما ورد ذكره بالأحاديث، ويجعله مُرَفهاً، أو تعيساً في هذه المرحلة، ويوم القيامة يتم عَمل نسخـة طِبْق الأصـل، من جسم وهيئة الدُّنيا؛ ليقوم النَّاسُ للحساب، وكما بَلغَنَا من العِلم أنَّ للجنَّةِ، أو للنار جسمٌ ذو مُوَاصفَات خاصَّة. ** الثالِثُ عَشـر: تَعَلُّق الرُّوح بالقبر، أو مكان دفن، أو تواجد أغلب جسد الحياة الدُّنيا، يتم بالصورة التي شرحناها من قبل حتى تنتهي مُدَّة سُؤال المَلكين، وتقديم كشف الحساب، فإن كانَ صالِحاً انتقل إلى مكان آخر يعيشُ فيه وهو البرزخ، على أنْ يُعطى فرصة استطلاع أخبار، ونسمات الأهل، والحياة الدُّنيا، وذلك من خلال إطلالة مَحدودة من مُحيط القبر كُل يوم جُمُعَة، وتتم بالصُّورة التي تناسب أهل البرزخ، وهي إطلالة لا تتعدَّى النظر فقط ببصيرة الرُّوح. ** الرَابـعُ عَشـر: وإذا كان كشف حِسابه سَيئاً، أخذته الزبانية، وألقته في الهاوية، فيظل محصوراُ في العذاب الحقيقي في العالم غير المَنظور إلى أنْ يَشاء اللهُ تعالى، وهو قوله عن مُوسى عليه السلام وءَال فِرْعَوْنَ: (فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، سورة غـافِر، الآيتان 45،46. ** وفيه دليلٌ قاطعٌ أنَّ ءَال فِرعَوْنَ مُنذ وفاتهم وحتى الآن، مُعَذبُون في نار الهاويَة، التي نتناولها في هذا المقال، بدليل أنَّ يومَ القيامة يُدخلوُن في أشَدِّ العَذاب. ** وبهذا نكونُ قد أقمنا الدَّليلَ على إجاباتٍ فاصلةٍ تشغلُ أذهان كثير من النَّاس، عن "القبـر" وهُوَ مَرحلةٍ من أهم المَرَاحِل الغيْبيَّة التي يَمُرُّ خلالها كُل إنسَان. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
البَـــرزخ |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** البَرْزَخُ، جَمْعُهُ بَرَازخ، وهُوَ "الحَاجزُ" بين شيئين، بين المَوْتِ والحياة، وبين بحرين، وقطعة الأرض الضَّيِّقة المحصورة بين بحرين، مُوَصِّلة بين أرضَيْن، وهُوَ تسْمِيَة لكُلِّ شيءٍ ضيِّق محصور بين شيئين كبيرين. ** وفي كُل تلك الأحوال فمعناه: الحاجز الذي يَحُولُ بين تلاقي ما قبله، مع ما بعده. ولقد ورد ذِكْرُهُ في القرآن الكريم ثلاثُ مَرَّاتٍ بنفس المَعنى، وقال ابن عَبَّاس: "هُوَ حاجز الأنَام أو الخَلق"، ولقد ورد بمعنى: الحاجز: ** في سورة الفـرقان، الذي يَحولُ بين البحر العَذب، والبحر المالح. ** وفي سُورة الرَّحمن، الذي يَحولُ بين ماء البحر المالح، وماء المُحِيط المَالِح "كُلٌ لهُ دَرَجَة مُلوحة خاصة". ** وفي سورة المُؤمنون، بين الدُّنيا والآخِرة، وهِيَ الآية التي ذكرناها آنفا. ********** مَـكان البَـــرزخ** موجود في السَّمَاء بنص القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) سورة المُطفِفينَ، الآيات من 18-21. ** الآيات تتحدَّثُ عن البرزخ المَوجُود فيهِ أرواح الأبرار، وهُم كُل من نجحوا في الامتحان، وفازوا برضا الرحمن، وكَلِمَة: (كَلاَّ)، بمَعنى: انتبهوا، (إنَّ كِتَابَ الأبْرَار لفِي عِلِّيين)، تأكيد بأنَّ المَكان الذي تؤولُ إليهِ أرواح المؤمنين مَوْضِعٌ مُرتفعٌ، على جهة التفخيم، والتعظيم له في المَكانة والمَنزلة. ** وفي الحديث الذي رواهُ أبو داوُدُ عن أبي سعيدٍ الخُدري أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: "إنَّ الرَّجُلَ مِن أهْل عِلِّيينَ ليُشرفُ عَلى أهْل الجَنَّةِ فتُضِيءُ الجَنَّة لِوَجْهِهِ، كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌ". ووصفٌ لجمالهم في تلك المكانة، وشرف مكانهم العالي، وأما عن ارتفاع مَوقعهم، فقد روى الإمام أحمد، عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ أَهْلَ عِلِّيِّينَ لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمِنْهُمْ وَأَنْعَمَا". ** وإذا قال قائلٌ: إنَّ هذه الآيات تتحدَّثُ عن أهل الجنَّةِ، فنقول: كَـلاَّ، ودليلنا، هوَ: ** إنَّ باقي الآيات في هذه السورة الكريمة، تتحدَّثُ عن مُنتهى حال الذين يفعلون الشَّـر، والذين يفعلون الخير، أمَّا الذين يفعلون الشَّـر فمُنتهاهُم يكون في وادي وَيْــلٌ في قلب جَهنَّم، بعد أن يَمُرُّوا بالهاويَة التي تسَمَّى: سِجِّين. ** وأمَّا الذين يفعلون الخير فمُنتهاهُم يكون في جَنَّة النعِيم، بعد أن يَمُرُّوا بالبرزخ، وهُوَ المقام العالي المَكانة الذي أعِـد ليكُونَ محطة انتظار لأرواح الأبرار، حتى انقضاء عُــمر الدُّنيا، ثمَّ تقـوم السَّـاعة. ** ودليلٌ آخر، في قوله: (يَشْهَدُهُ المُقرَّبُونَ)، وهُم الأبْرَار في البرزخ يُشاهِدُونَ بَانـُورامَا يُعْرَضُ عليْهِم فيها مَقامَهُم في الجنَّة، وهؤلاءِ الأبْرَار أيْضاً هُمُ الذين ذكرَتهُمُ الآيات اللاحقة، بعد أن تقوم السَّاعَـة، ويدخلون جنة النعِيم، وصفتهم أنَّهُم على الأرائك ينظرون، ويأكلون ويشربون، أمَّا أهل البرزخ فهم يُشاهِدُونَ فقط ولا يأكلونَ ولا يَشرَبون. ** وتقول بعض كُتب التفسير إنَّ (المُقرَّبُونَ) هُمُ المَلائكة، ونحن نقول: إنَّ (المُقرَّبُونَ) هُنا هُمُ الأبرار أهل الجنَّة، بدليل من القرآن الكريم في وَصْفِ السَّابقين من أهلُ الجنَّة، بقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) سورة الواقعة، الآيتان 10،11. ** وبيَّنَ مَنزلتهم بقوله تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) سورة الواقعة، الآيتان: 88،89. ** ألا يَكفِينا أن يكونَ القـُرْآن تفسِيراً للقـُرْآن؟. ** ومعنى: (كِتَابٌ مَرْقوُمٌ)، أي قضَاءٌ مُبْرَم، مَختومٌ عليهِ في أمِّ الكِتاب، مَكتوبٌ لا يُنسى ولا يُمْحَى، ولا يُزادُ فيهِ ولا يُنقص. ** ومِن الأحاديث التي عرفنا منها أحوال البرزخ، ما ورد في الصحيح، عن ابن عُمَر، أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنَّ أحَدَكُمْ إذا مَاتَ عُرضَ عَليْهِ مَقعَدَهُ بالغدَاة والعَشِيِّ، إنْ كَانَ مِنْ أهْل الجَنَّةِ فمِنْ أهْل الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أهْل النَّار فمِنْ أهْل النَّار، فيُقالُ هَذا مَقعَدَكَ حَتَّى يَبْعثكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". ** نفهم منهُ: أن "النفس الأثيريَّة تعبُرُ إلى عَالم البَرزخ بعد الفراغ من سؤال الملكين في القبر ـ كما بيَّنَا من قبل ـ وفيه يُعْرَضُ عَليهَا النعِيمَ المُقِيمَ الذي وَعَدَهَا اللهُ بهِ، وهذا المَقام كما بيَّنتهُ أحاديثُ أخرى هُوَ: "المَقام الأدنى" في البرزخ. ** أمَّا "المَقام الأعلى" فهُوَ مَقامُ الشـُّهَدَاء، الذي ورد ذِكره في صحيح مُسلم، عن مَسْرُوق، قالَ: سألنا عبد الله بن مَسعود عن هذه الآيَةِ: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) سورة آل عِمْرَان، الآية 169.، قالَ: أمَا إنَّا قد سألنا عنْ ذلكَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ". ** أمَّا عامَّة أهل البرزخ فهُم الذين ورد ذكرهم بعد آية الشُّهدَاء، في قوله تعالى: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة آل عِمْرَان، الآية 170. ** فإنَّ الشُّهداء فرحين بمقامهم الذي بلغوه، وقد اطمأنت قلوبهم بالمقامات التي بلغَتهَا أرواحُ المُؤمنينَ من خلفِهم، إذ أنَّهم لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون في تلك المقامات التالية التي يُعرضُ عليهم فيها مَشاهِد قصورهم وما أُعِدَّ لهُم من النعيم المُقيم في مشاهد بانورامَا تُعرضُ عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهُم يَتَنَعمُون بالنظر إلى كُل ذلك قائلين: رَبِّـي أَقِم السَّـاعة، شوقاً لبلوغ هذا المقام في الجنَّـة ذات النَّعِيم المُقيم. مَـوقعُ البَـرزخ ** دلَّت الأخبار الصحيحة، أنَّ مَوْقعه بين السَّماء والأرض، وهو محجُوبٌ عن البشر، إذ لا يُمكنُ للأرواح التي تسكنه أن تعود مرة أخرى، فتلتقي بالأهل الذين تركتهُم خلفها في الحياة الدُّنيا، لأنَّ كلمة برزخ تعني: حِجابٌ أو حَاجز يحولُ بين التقاء ما قبله بما بعده. ** روى الإمام أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن عمرو، أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تَلْتَقِي عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ، مَا رَأَى أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ قَطُّ". ** وفي رواية أخرى للإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ لَتَلْتَقِيَانِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا رَأَى وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ". ** وهذا البرزخ يُسمَّى: عِـلِّيُّون، نِسبة إلى عُلوِّه وارتفاع مكانه وشأنه. ** وصُعُود الرُّوح إلى البرزخ، أو إلى أجواز السمواتِ يتمُّ مع الملائكة باستخدام المِعراج، وهو ثاني مخلوق، من مخلوقات العالم غير المنظور، بعد "الملائكة، تراه الرُّوحُ ببصيرتها أثناء مُغادرتها للجسد، ولذلك فإنَّ عين الميت تشخص بناظريها إليه، من شدَّة جماله الذي ليس له مثيلا قط على وجه الأرض. ** روى الإمام مُسلم، عن أم سَلمَة، قالت: دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي سلمة وقد شقَّ بصره فأغمضه، ثمَّ قال: "إنَّ الرُّوحَ إذا قُبضَ تبعهُ البَصرُ". ** كما رَوَى أيضا عن أبي هُرَيْرَة، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ألم ترَوْا الإنسَانَ إذا ماتَ شَخَصَ بصرُه؟، قالوا: بلى، قال: فذلك حين يتبعُ بَصرُهُ نفسَهُ". ** وبَصرُهُ: هو عينا الجسد الفيزيقي، أمَّا نفسَهُ: فهي الرُّوح عند خروجها. وقال القرطبي: لقد ورد أنَّ الميت أول ما يشق بصره؛ لرؤية المعراج، وهو سُلَّمٌ بين السماء والأرض، من زمردة خضراء، أحسن ما رُئِيَ قط، فذلك حين يمد بصره إليه. ** وإن كانت الثقوب السوداء في أجواز الفضاء، قد اكتشفت بتسجيل مُلاحظة أنَّ سَيلاً من الإليكترونات مُتجهة إلى ناحيتها بلا عَودة، فإنَّ البرزخ تتجه إليه الأرواح أيضاً بلا عودة، ويوم البَعث يَتِمُّ النفخ في الصُّور، فترى جميع الأروَاح في أجواز الفضاء كأنها الجَراد المُنتشر، كُل رُوح تبحثُ عن جسَدها، الذي ينبتُ كحَميل السَّيل؛ لتسكنه، وتأوي إليه. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| الهَــاويَـة | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** الهاوية هي: مُستقر أرواح الكـُفار، حيث لا يُخففُ عنهُم العذاب إلى يَوم القيامة، وهي غير البرزخ، الذي تأوي إليه أرواحُ المؤمنينَ. ** ومَكان الهـاوية في جوف الأرض، كما سيأتي بعد. ** روى أبو عبد الله النسائي، عن أبي هُرَيْرَة، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: "فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلاَنٌ؟، مَاذَا فَعَلَ فُلاَنٌ؟، فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟، قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ". ** من هذا الحديث يتضح لنا الآتي: ** أنَّ أهل البَرزخ يَعلمونَ أن مُستقر أرواح الكافرين في مكان يُسمَّى الهاوية. ** أنَّ الملائكة تعلم أنَّ هذه الأرواح تذهبُ إلى عذاب الله وسخطه، لا يُفترُ عنهَا. ** أنَّ الهاوية لها بابٌ، وأنَّ ذلك الباب في الأرض، وليس في السَّمَاء مثل البرزخ. ** أنَّ أرواح جميع الكافرين مُغلقٌ عَليهَا في جوف الأرض، وأنَّها في عذابٍ مُستمر. ** ومما رواه مُسلم، عن أبي هُرَيرة، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا قَالَ حَمَّادٌ فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالَ وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ صَلَّى اللهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَقُولُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ، قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ، وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْنًا، وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ". ** ونفهمُ من ظاهر النص أنّ: "آخِرِ الأَجَلِ"، المَذكورة في هذا الحديث تعني إمَّا البرزخ لأرواح المؤمنين، أو الهَاويَة لأرواح الكافرين. ** وفي القرآن الكريم نصٌ صريح يصفُ مآل الكافرين، في قوله تعالى: (وأمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازينُهُ * فأمُّهُ هَاويَة * ومَا أدرَاكَ مَاهِيَه * نَارٌ حَامِيَة) سورة القارعة، الآيات من 8-11. ** ومعنى: نَارٌ حَامِيَة: أي أنَّها شديدة الحرارة. ** ومِمَا سَبق فإننا نحَاولُ جَاهدين، أنْ نـُحَدِّد مَكان، ومُوَاصَفات تلك الهَاوية، وبالبحث والتنقيب؛ لتحديد مكانها في الأرض التي نعمُرُهَا، فوجدنا أنَّ ابن قيم الجوزيِّه في كِتابه: "الرُّوح"، قـد ذكَرَ أقوالاً عِدَّة، تـفيد بأن باب الأرض الذي وَرَدَ في الحديث السابق هُو باب بئر بضاحية حضرمَوت في اليمن، تـُسَمَّى:"بئر بَرْهُوت". ** وسَاق خبراً عن عَلِي رضيَ اللهُ عنهُ، قال: "خيرُ بئر في الأرض زمزم، وشرُّ بئر في الأرض بَرْهُوت، بئر في حضرموت، وخيرُ وادٍ في الأرض وادي مَكَّة، والوادي الذي أهبط فيه آدم بالهند منه طيبكم، وشرُّ وادٍ في الأرض الأحقاف، وهو في حضرموت ترده أرواحُ الكُفَّار". ** وساق خبراً أيضا عن ابن عبَّاس رضيَ اللهُ عنه أنه قال: "أبغض بقعة في الأرض، وادٍ بحضرموت يُقالُ لهُ: بَرْهُوت، فيهِ أرواحُ الكُفَّار، وفيه بئر ماؤها بالنهار أسوَد كأنَّهُ قيح، تأوي إليهِ الهَوام". ** ثمَّ ساقَ من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن إبان بن تغلب، قوله: قال رجلٌ: رأيتُ في وادي بَرْهُوت كأنَّمَا حُشِرت فيه أصواتُ النَّاس، وهُمْ يقولون: يادُومَه، يادُومَه، فسألتُ عن ذلك الاسم، فقال رجلٌ من أهل الكتاب: إنَّ دُومه هُوَ الملك الذي على أرواح الكفـَّار، ثمَّ سألت الحضرميين، فقالوا: لا يستطيع أحد أنْ يَبيت فيهِ بالليل". ********** الفوارق بين طبقات وأنواع الأرواح ** إنَّ الأرواح، أو الأنفس بعد الموت تنقسم إلى: ** "عُـلويَّة": أعلاها في حواصل طير خُضْر تمرحُ في الجنـَّة، وأدناها تسكن البرزخ وتنتظر النعيم الذي أعِدَّ لها. ** و"سُفـلِيَّة": أعلاها من يشتعل عليهِ قبره ناراً، وأدناهَا من يُزَجُّ بهِ في الأرض السُفلى في "طبقة الصهير"، الموجودة في باطن الأرض، وتصل درجة حرارتها إلى 6000 درجة مئوية. ** رَوَى البُخاري، عن أبي هُرَيْرَة أنَّهُ قال: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى وَادِي الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ ـ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ ـ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ". ** فهذا شهيد يُعَذبُ في قبره؛ لأن آخر عمل اكتسبه في صحيفته كان سَرقة شملة من مَال الغنائم. ** وكما أن "الأرواح العُلويَّة"، أعلاها منزلة هُوَ الشهيد، فإننا نجد "الأرواح السُّفليَّة"، يكون أخفهم عذاباً هُوَ الشهيد الذي ختم أعماله بسوء مِثل صاحب الشملة، إذ أنـَّهُ يكون مَحبوساً في قبره وهُوَ يشتعِلُ عليه ناراً. ** ثمَّ نأتي لبيان أشد الدرجات التي تحْبَسُ فيها أرواحُ الكفار أمثال فرعَوْن وهامان وأبّي بن خلف، الذين وَرَدَ في حَقهم نصُوص صَريحة، في حصولهم على أشد دَرجَات العَذاب في الهاوية، وذلك قبل يوم القيامة. ** وهو ما أشرنا إليه من قبل باختصار، في قوله تعالى: (وَحَاقَ بِآل فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَليْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَة أدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ) سورة غافر، الآيتان 45، 46. ** وفيه الدليل القاطع أنَّ ءَال فِرعَوْنَ، وأمثالهُم مُنذ وفاتهم، وحتى الآن، مُعَذبُون في نار الهاويَة، بدليل أنَّ يومَ القيامة يُدخلوُن في أشَدِّ العَذاب. ** ثمَّ يَأتِي ذكرُ الحديث الذي رواهُ الإمام أحمد، عن البراء بن عازب، في جنازة رجل من الأنصار، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "…. وإنَّ العَبْدَ الكَافِرَ إذا كَانَ فِي انقطاع مِنَ الدُّنيا وإقبَال مِنَ الآخِرَة، نَزَلَ إليْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلائكَة سُودُ الوُجُوهِ مَعَهُمْ المُسُوحُ، فيَجلسونَ مِنْهُ مَدَّ البَصر ثمَّ يَجيءُ مَلكُ المَوْتِ حتَّى يَجْلِسَ عِندَ رأسِهِ فيَقولُ: أيَّتُهَا النَّفسُ الخبيثة اخرُجي إلى سَخطٍ مِنَ اللهِ وغضبٍ، فتُفرَّقُ فِي جسَدِهِ فيَنتزعَهَا كما يُنتزعُ السَّفودُ من الصُّوفِ المَبلُول، فيَأخُذهَا، فإذا أخذهَا لمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طرْفةِ عَيْن حَتَّى يَجعَلوهَا في تلك المُسُوح، ويَخرُجُ مِنها كَأنتن ريح جيفةٍ وُجدَت عَلى وَجهِ الأرض، فيَصعَدُونَ بهَا، فلا يَمُرُّونَ بهَا على مَلإ من المَلائكةِ إلاَّ قالوا مَا هذا الرُّوحُ الخبيثُ ؟، فيقولونَ فُلانُ ابنُ فلانُ، بأقبح أسْمَائِهِ التي كانَ يُسَمَّى بهَا فِي الدُّنيَا، حتَّى ينتهي بهِ إلى السَّمَاءِ الدُّنيَا فيُسْتفتحُ، فلا يُفتحُ له، ثمَّ قرأ: (لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) سورة الأعراف، من الآية 40، فيقولُ اللهُ عَزَّ وجلَّ: اكتبُوا كِتابَه فِي سِجِّين، فِي الأرض السُّفلى، فتُطرَحُ رُوحُهُ طرْحاً، ثمَّ قرَأ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) سورة الحج، من الآية 31، (وبعد سُؤال الملكين)… فيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أنْ كَذَبَ عَبْدِي، فافرشوا لهُ مِن النار،وافتحوا لهُ بَاباً إلى النار،فيَأتيهِ مِن حَرَّهَا وسُمُومهَا…". ** من هذا الحديث نستنتج الآتي: 1- أنَّ أعوان ملك المَوت: منهم مَلائكَة بيضُ الوُجُوهِ، وهُمُ المُختصُّون بقبض أرواح المؤمنين الذين تسكن أرواحهم البرزخ، ومنهم مَلائكَة سُودُ الوُجُوهِ، وهُمُ المختصُّون بقبض أرواح الكُفـَّار، الذين تسكن أرواحهم الهاوية. 2- أنَّ عملية تعذيب روح الكافر، تبدأ منذ اللحظة الأولى للغرغرة، عندما تبلُغ الحُلقوم، مع أول سَكرات المَوْت، أثناء مُفارقتها للجسد، وذلك بأن يُعرض عليها ما ينتظرهَا من سُخطٍ، وغضبٍ، ونتن، وزقـُّوم، وسَعير يشتعلُ ناراً. 3- أنَّ عالم الرُّوح من الملائكة، يَعرفون مَصير كُل روح تسري، أو تطوفُ خلاله من ريحها العَطِر، أو المُنتن. 4- أنَّ أرواح الأبرار تفتحُ لها أبواب السَّمَوَات، ويستحيلُ فتحها لأرواح الفـُجَّار. 5- أنَّ رُوحَ الكافِرُ، وهيَ على بوَّابة السَّماء، يأتيها الأمر الإلهي بسجنها في الهاوية. 6- الهاوية يُطلقُ عليها أيضاً سِجِّين، نظراً لكونها مكاناً لسَجْن أرواح الفـُجَّار داخلها. 7- موقِع الهاوية، أو سِجِّين، هو مكان سَجْن الأرواح الخبيثة، ذكر الحديث أنَّ مكانه في الأرض السُّـفلىَ، وذكر القرآن الكريم: أنَّ الريح تهوي به في مَكان سَحِيق. 8- قوله تعالى: (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق)، يُبَيِّنُ أنَّ تلك الأرواح الخبيثة، التي ظلمت أنفسها، أعِـدَّ الله تعالى لها مَكانٌ مَعلومٌ، يحتويها بالعذاب المُناسِب، وأنَّ هذا المكان سحيق جداً، ووضحت الأحاديث من قبل أنَّهُ موجودٌ في "داخل الأرض". 9- قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " فتـُطرَحُ رُوحُهُ طرْحاً"، ليس معناها كما يقول الرُّوحيون: أنَّها تكون حُرَّة تتجوَّل على هواها بينَ السَّماءِ والأرض، ولكن معناها: أنَّهُ كما يُوجدُ طريق من فوق بيت المَقدس يُوصِّلُ إلى باب السَّماء، فإنَّهُ يُوجَدُ أيضاً من أبواب السَّماء طرقٌ مُتعدِّدة تـُوصِّلُ إلى أماكِن شتى، مِنها طريق فيض النُّور الذي يَصبُّ على الكعبة المُشرَّفة، وطريق آخر يُفضي بأرواح الفـُجَّار إلى الهاوية وسَجْنها المَعلُوم في الأرض السُّفلى. 10- نرجع قليلاً إلى فصل: "التوازن في الكون"؛ لكي نصف طبقة الصَّهير: "أمَّا الأرض الأم فقد استقرَّت قبل خلق أدم ونزوله فيها إلى 7 طبقات، ويُشكل خام الحديد نسبة 35 % من كُتلتها، اللب قطره 3486 كيلو متر، وتصل درجة حرارته إلى 6000 درجة مئوية، وهو من النيكل كروم، الذي يُشكِّل الحديد نسبة 99% فيه، وتحيط به طبقة من الحِمَم البُرْكانيَّة المُنْصَهرة، وهيَ: طبقة الصَّهير، التي يُشكِّل فيها الحديد نسبة 47.8%، أعلاها 4 أوشِحة، تتدرجُ فيها نسبة الحديد، ثمَّ نصل إلى القِشرة الأرضية، التي يُشكِّلُ فيها الحديد نسبة 5.6%، أمَّا مُتوسط عُمقها حوالي50 كيلومتر، وعليها تعيش الكائنات الحيَّة جميعُها بما فيها الإنسان". ** "منطقة الصهير": وهي الطبقة السادسة من الأرض السُّـفلى، وهي التي وصفها القرآن الكريم: "بالمَكان السَّحيق"، وأطلق عليها اسم: "سِجِّين".. و: "الهاوية"، وورد ذكرها أيضاً في الأحاديث الشريفة مَرَّاتٍ عَديدة أيضا: ـ فلقد ورد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ذُهِبَ بهِ إلى أمِّهِ الهَاوية"، وجاء ذلك في أحاديث مُتعددة. ـ وتمَّ تحديد إسم ذلك السِّجْن ومَوقِعه: اكتبُوا كِتابَه فِي سِجِّين، فِي الأرض السُّفلى. ـ وأنَّ ذلك الجُبِّ مَوجودٌ في الأرض، ولهُ بابٌ يُفضِي إليه، كما وردَ في الحديث: "حتَّى يَأتون بهِ بابَ الأرض". ـ وأنَّ عَذابَ أرواح الكـُفـَّار في سِجِّين مُستمر إلى يوم القيامة: "فلا يَزالُ فِيهَا مُعَذباً حَتَّى يَبْعَثهُ اللهُ مِن مَضْجَعِهِ ذلِكَ". ـ وأن أرواحَ الكـُفـَّار مَجمُوعة في دركات الهاوية، وكلٌ منها بحسب الدرجة التي بلغها طغيانه وظلمه لنفسه:"حَتَّى يأتونَ بهِ أرْوَاحَ الكـُفـَّار فِي مَكان سَحِيق". 11- ممَا سبق يتضح لنا أنَّ قاع "الهاوية"، هُـوَ الأشدُّ عَذابا في "سِجِّين" التي يُسجَنُ فيها أرواحَ الفـُجَّار، هيَ مَا يُطلقُ عليه في عِلم الجيولوجيا: "طبقـة الصَّـهير". ********** طبقــة الصَّــهير Magma Sphere** كما ذكرنا من قبل هيَ الطبقة السادسة في باطن الأرض، وسُميت بذلك لأنها عبارة عن حِمَم بركانيَّة مُنصهرة، تصل فيها درجة الحرارة إلى 6000 درجة مئويَّة وهي تعادل درجة الحرارة على سطح الشمس، وهذه الطبقة تحتوي على مَعْدن الحديد بنسبة 47.8%، وباقي الصَّهير هو في الحقيقة المَصـنع، الذي يُـنتج ما يزيد على 2000 معدن عَرَّفهَا العُلماء حتى الآن، ويستفيد الإنسان منها في حياته بحوالي200 معدن فقط، وفي هذا المَعمَل تتزاوج العناصر، ثمَّ تنطلقُ مع تدافع الصَّهير والحِمم بفعل التفجيرات التي تحدُث في تلك الطبقة فينتج عنها الزلازل المُدمِّرَة على سطح الأرض، وتسكن العناصر في طبقات مُتفاوتة تكون سبباً في تكوين المَعادن، فمثلاً يتكوَّن المَاس في باطن الأرض تحت درجات عالية من الحرارة تصل إلى 2500 درجة مئويَّة و100.000 مثل الضغط الجوي، ووجد العُلماء أنَّ العناصر المُؤثرة في حياة الإنسان عددها ثمانية، وتشكِّل أكثر من 98% من وزن القشرة الأرضيَّة، على الرَّغم من أنَّ جُملة العناصر أكثر من مائة عُنصر. ** وفي هذه الطبقة يُوجد الزئبق والكبريت وهُمَا الأصل في تزاوج كل المعادن. ** كما يقول داود الإنطاكي في كتابه: "تذكرة أولى الألباب": "أمَّا الزئبق فهوَ أحد أصْـليْ المَعادن كلها، وهوَ الأُنثى، ومَوْضِعه في سائر المَعادن، يُوجد على هيئة قطرات، فتزيد إلى أنْ تمتزج، ويجتمع فيلتقي بالذهب، أو الرصاص، ويكثر لعدم وُجود الكبريت… ** وأمَّا الكبريت فهو الأصل في توليد المعادن، والذكر في التزويج لأنه الحار، وهو عُبارة عن بخار تشبث بالدهنيَّة، ويَخرج في بعض الأماكن عُـيُوناً حارة فيُطبخ، وأرفعه الأحمر، الذي يُوجد في معادن الذهب، والياقوت، ونحوهما". ** وفي هذه الطبقة أيضاً تتعاوى أرواح الكـُفـَّار المَسْجُونَة في العذاب، من شِدَّة ما تـُلاقيه، وتصرخ من هول ما يُحيط بها، لذلك فإنَّ أهل حضرمَوْت لا يَجْرؤ الواحد منهم على المرور بالأحقافِ ليلاً وهو الوادي الموجود فيه "بئر برهوت" كما أنه باب الأرض الذي يُفضي "للهاويَة" أو طبقة الصهير. ********** عِــلاقة الشــَّياطين بالكبريت ** لمَّا كانت الرَّائحة "النـتِـنَة" هي التي تتَّصِفُ بها أرواح الفجار كما أسلفنا، فإنَّ عالم الشــَّياطين أيضاً يتـَّصف بهذه الرائحة، ولا عجب في أنَّ يُحبُّ أحدهما الآخر، وهذه الرَّائحـة مَصدرها "الكبريت" الموجود في باطن الأرض السَّحيق، أو "الهاوية"، وهُو في درجة الحرارة العالية هذه، عُبارة عن بُخار تشبث بالدهنيَّة. ** وَلمَّا كان مَوطن تواجد "الزئبق" الطبيعي هُوَ "طبقة الصهير"، إذ أنَّهُ بالنسبة للأرض يُشكِّل العنصر الثاني مع "الكبريت" اللازمين لاندمَـاج المعادن، وهُو في جميع الحالات يُوجدُ سائلاً، سواء كان في باطن الأرض بطبقة الصهير، أو عندما تقذفه الحِمَم البركانيَّة مع الصَّهير إلى سطح الأرض. ** لذلك فإنَّ "الزئبق" رُبَّمَا يكونُ السِّجنَ المُناسِبَ لأرواحَ الفـُجَّار في فضاء ذراته، وذلك ضمن كل الفراغات الموجودة في عناصر "طبقة الصهير". |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| العـودة للأعـلى | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||