|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
WELCOME VISITORS
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
وصـف الجنـة Description of Paradise |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الوَصْــفُ الفـَــريدُ للجَنـَّـة |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
تنويه هـام في البـداية ** بداية نريد التنـويه والإحَاطة لضيوفنا الأعزاء بأنَّ كل ما ورد في هـذا الفصل من وصف للجنـَّة، لا يخـرجُ عن كـونه اجتهاداً محـضاً؛ للوصُول إلى تصـور خاص لشكل الجنـَّة، وهو بالنسبة لنا من الغيبيات التي لا تستطيع عقـولنا الإحاطة بوصفها أو مكنون سـرها؛ لأنَّ مفردات اللغة، والخطاب التي نستعملها لا توفي حق ذلك الموصوف من الجمال، والكمال، والجلال؛ لأن الذي صوَّرها هو الخالق البديع الذي أعدَّ لعباده الصالحين: ما لا عَـينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطـرَ على قلب بشــر. ** لذلك فإنَّ هذا الفصل هو محـض اجتهاد مني لمحاولة تقريب الوصف للعقول الواعيـة، فإن أصبتُ، فأرجو الله تعالى أن يُعطيني أجرين، وإنْ أخطأتُ فأرجوه سبحانه أنْ يعطيني أجراً؛ لأني ما سعيت لذلك إلاَّ ابتغاء وجهه الكريم. المقدِّمــة هامة ** لقد راودنا سؤالاً على مدى سنواتٍ طويلة.. سُؤالا اعتبرناه هاما: ما هيَ الحُدود التي تفصل بين أمْلاك المُؤمِن وأخيه المؤمن المُجـاور لهُ في الجنة؟، هل هي سُورٌ لبناته من الذهبِ والفضَّة؟، أم سُورٌ من أشجار الجنـَّة؟، أم شيءٌ آخر؟، وما هو الدليل من الكتاب والسُّـنة على ذلك؟. ** لقد كان هذا السؤالُ هاماً بالنسبة لنا؛ لأنَّ من خلال الإجابة يمكن أن نصل إلى وصف الجنَّة من الدَّاخل، ومن عادتي عندما يَشغلني أمرٌ مَا، فإنِّي أضرعُ إلى اللهِ تعالى بإخلاص كي أصِلُ إلى الإجابة التي لا توجد صَريحَة بين دفتي الكُتب، ومرَّت شهور.. حتى جاءَ شهرُ رمضان، وأنا أدعو اللهَ العَليم أن يُعلمني من لدُنهُ، ثمَّ دَخَلتْ أيَّامُ العشرة الأخيرة منه، فإذا بالإجابة تأتيني مُشاهَدَة، وسَألتُ عن الدَّليل الذي أستندُ إليهِ حتى تقوى حُجَّتي عندما أُحَدِّثُ عن ذلك؟، فأتاني: الدليل من القرآن الكريم آيات كذا، ومن الأحاديث الشريفة آيات كذا.. ثمَّ توالت الفيُوضَات من العلي القدير. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| وَصْـفُ الجَنَّـة مِنَ الخَـارج | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** في هَذا الجُزء أحَاول جهدي تقريب ذلك الوصف، وحَتى يُمكن استيعاب وإدراك تلك الصُّـورة، فإنني ألجَأ إلى "التشـبيه" و"ضرب الأمثال"، وكما نعرفُ إنَّ الذينَ أرَادُوا وَصْفُ الذرَّة، شَبَّهُوهَا بالمَجمُوعَة الشَّمسيَّة، قد صَدقوا فِي هَذا التشبيه، و"إنْ كان التشبيه ليس كالحقيـقة". ** فإذا أعطانا اللهُ تعالى بصـراً حـديداً، وأعطانا القدرة أنْ ننظر إلى الجَنـَّة من بعيد جداً .. جداً.. جداً، فإننا نـُشاهِدُها من الخارج عبارة عن شكل كُرَةٍ، تشـبه: كوكب زُحَـلْ، ذي الحَلقات التي تـُحِيطُ بوسطه، وذلك لو تصـورنا أن تلك الحَلقات مُمْتدَّة أفقياً، وتلامِسُ المُحيط من الخارج. ** وكما ذكرنا من قبل أنَّهُ يُوجدُ طريق من أرض الحشر السَّـاهرة، يُوصِّلُ إلى الجنَّة يُسمَّى الصِّراط، حيثُ ينتهي بما أطلِقَ عليهِ في الأحاديث الشَّريفة ب: "نهـر الحيـوان"، وهو النهر الذي يُعَادُ فيه انشاء أهْـل الجَنـَّة، لتناسبَ أجسادهم نعيم الجنـَّة، وهو ما رواه الإمام مُسلم، عن أبي هُرَيْرَة، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، وَلاَ يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمْ الْحُورُ الْعِينُ، أَخْلاَقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ"، والأَلُوَّةُ: عُودٌ يتبخـَرُون به. وهُنَاكَ حَقائق يَجب أن نذكرها، أو نسترجعها، وهي: 1- أنَّ الإنسَان حتى يَدْخل الحياة الدُّنيا ارتدت روحَه ثوباً يُناسبُ أحوَال تلك الحياة. 2- وبعد المَوْت تغيَّرَ الثـوْبُ كي يُناسِب وُجُودها البَرزخ، أو الهَاويَة. 3- وعند البَعْث أُعِـيدَ نَسْخ صورة مطابقة للأصل، مِن جسم الحَياة الدُّنيا مُتماثل وغير منقوص. 4- وعند دُخُول الجَنـَّة، حيث يعـبر الإنسان الصراط المنصوب على ظهر جهنم، فينتهي إلى نهر الحَيَوَان، المُحيط بأبواب الجَنـَّة الثمانية. 5- يتم داخل نهر الحيوان، إعادة تنـشئة هَـيئة الإنسان، وتهذيب خُـلقه، في أجمل صورة بمواصفات جديدة، والرُّوح هنا هيَ التي تنـقل من حياة إلى حياة أخرى، ومرحلة بعد مرحلة، وهي تتـقلَّبُ في قوالب تناسب تلك الحياة. 6ـ من صِفات هذا النَّهر أن مياهه لها خاصيَّة احتضان الرُّوح لينمو لها جسم جَديد تماماً، يُناسبُ المُقام الذي سوف تنتقل إليه، طوله سِتونَ ذراعاً كأبينا أدم عليه السلام، وفي غاية البهاء الحقيقي، والعمر الذي لا يَتعدَّى إحدى وثلاثين سنة، وهو عُمْرُ عيسَى عليه السلام عندما رُفِعَ إلى السَّمَاء. 7- دَرَجَة البَهَاء والنُّور، التي تكون عليها الرُّوح عند الخروج من نهر الحيوَان، تتوقف على مَجْمُوع الدَّرجَات التي حَصلَ عليها الإنسان، كنتيجة امتحانه حَياته الدُّنيا. 8- البابُ الذي يَدْخلُ مِنهُ الإنسان إلى الجَنـَّة يُناسبُ أعلىَ الدَّرَجَات التي حَصل عليها مَـادَّة الصلاة، أو الصِّيَـام، أو الزكاة، وهكذا، فالمواد والأبواب التي كان العبد فيها مجتهدا، هي التي تناديه اليوم؛ لكي يدخل منها إلى قصره في الجنـَّة. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| وَصْـفُ الجَـنـَّة مِنَ الدَّاخِـل | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** من قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) سورة آل عِمْرَان، الآية 133. ** نفهم بأن سِعت الجنة أكبر من سعة السَّمَواتِ والأرض مجتمعة، وأنَّها كُرَويَّة الشكل، كما ذكرنا ذلك في وصفها من الخارج. ** ونضرب الأمثال، ونستعمل مفردات التشبيه؛ لتقريب الفهم للأذهان. ** وهي طريقة ورد ذكرها في القرآن الكريم ثمانين مرَّة، لكي يُقَرِّب الخالقُ سُبحانهُ إلى عقولنا فهم المَعَاني، وإلى أذهاننا إدراك الحقائق، ولعَلَّ أعظمها عندما أراد اللهُ تعالى وصف نوره، فضَرَبَ لذلِك مثلاً، فقال: (اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) سورة النُّور، من الآية 35. ********** خـُطوة خـُطوة نحـو الحقيقـة
** من المَعروف أنَّ نعيم الجَنـَّة من الداخل لا يُمكِن لمفردات الكلام التي يَستعملها البشر أن تصِفه أو تعبِّر عنه، وكُـل ما ورد عن وصف الجَنَّة في القرآن الكريم "وهو كلام الله المُعجز للبشر"، إنما هو على سبيل التمثيل، لعدم قدرة العقول على استيعاب حقيقة الوَصْف. ** ولذلك فإننا نضربُ "الأمثال" في وصف الجَنـَّة من الدَّاخل؛ لكي نتمكَّنُ من رسم صورة واضحة لإدراك العُقول، وإحاطة الأذهان بما يُمكن استيعابه من هذا الوصف، ولذلك فإننا نطلب رفع درجة التركيز للحد الأقصى، وتأجيل أيِّ اعتراض أو نقدٍ، حتى يكتمل الوصف؛ لأنَّ الدليل على صدق الوصف سيكون من من القرآن والسُّنة، ثم يتم الرَّبط بينهما بالإجابة على ما قد يَجُولُ في خاطرك من أسئلة حول هذا الوصف.. .. . |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| الدخـول في تفاصـيل وصـف الجَـنَّة | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
مِثـالٌ لشكل الجَنـَّة من الدَّاخل ** نضربُ لها مثلاً بـ: "البطيخـة" الكاملة النُّضج، والنُّمُو، الجَيِّدة النَّوع والقيمَة، حَيثُ تكون كاملة الاستدارة، ويَكون ارتفاعها أكبر قليلاً من عَرض مُحيطها، ولها عَلامة من أسفلها تبدأ منها خطوط الطول، نـُطلقُ عليها مَجـازاً في هذا المثـال: "مركز القاع". ** ولها عَلامة من أعلى تنتهي عندها هذه الخطوط، نـُطلقُ عليها مَجـازاً في هذا المثـال: "فتحة القِمَّـة". فإذا قمنا بشق هذه البطيخة نصفين بالطول من أعلى لأسفل كي نرى ما بداخلها، فإننا مَجـازا في هذا المثال، نرى الآتي: 1- قشرة البَطيخة البَيْضَاء وهي تمثـلُ سُور "الأعْـرَاف" المُحْكم والمُحيط بالجنَّة. 2- "مركز القاع" تخرج منه شجرة سَاقها من ذهب تتهادى فروعها في جميع أنحاء الجنَّة، وتـُسَمَّى "شجرة طُـوبى". 3- البذور السوداء المُنتشرة وسط اللون الأحْمَر: نتخيلهَا "كُرويَّة الشكل"، مُتفاوتة في الحجم، بعضها كبير، وبعضها صغير، مُـتباعدة عن بعضها البعض، وهي تـُمثـلُ منازل أو "غُـرَفُ أهل الجنـَّة"، وسيأتي لها وصفٌ بديع. 4- اللون الأحمر الموجود به البذر، يـُمَثـل "فراغ جو الجنَّة"، الذي يفصلُ بين غُـرَفُ أهل الجنـَّة. 5- "فتحة القمَّـة" هي وُجود حَقيقي لفتحة كاملة الاستدارة، تقع في أعلى نقطة من الجنـَّة، وهي تـُوجدُ أسفل "قنـَاديل العَـرش"، التي تضفي على الجنـَّة بنورها، وتستمِدُّ الجنـَّة أنوارهَا من تلك الفتحة. 6- أسفل تلك الفتحة تـُوجد أكبرُ "غُرَف أهل الجنـَّة" على الإطلاق، وهي التي تتُسمَّى: "المَقام العَالي" و "الوسيلة والفضيلة" و "الدَرجة العالية الرفيعَة"، التي نسألُ اللهَ تعالى عَقِب كُل أذان أن تكون من نصيب سيدنا محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا المَقام العَالي يَتمَتعُ وحدهُ برُؤية قناديل العَرش، واستقبال أنوَارها، ويتمتـَّع سَاكنه برُؤيَة وجـه الرحمن جلَّ وعلا، ليس بينهما حجاب، وذلك وقتما شاء، لا يحتجب عنهُ، ويحتوي على أعظم درجات: الرِّفعة، والرَّفاهية الموجودة في الجنـَّة على الإطلاق. 7- أقل الكُرات أو "الـغُرُفات" حَجماً، هي الواقعة أبعد ما يكون عن موقع "الوسيلة"، أما القريبة منها فهي بالتدريج أقلُّ منها حجما، ويُوجَدُ في مُستوى "الوسيلة" عَددٌ من تلك "الغُرُفات" أدنى منها في الحَجم. 8- المنطقة الواقعة أدنـَى من مقام "الوسيلة" تـُعدُّ أكبر الأحجام الموجودة في الجنـَّة، وتـُسمَّى "الفِرْدَوْس الأعْلـَى"، وهو الذي أوصانا رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إذا سألنا اللهَ تعالى شيئاً من الجنـَّة أن نسألهُ "الفِرْدَوْس الأعْلـَى"، لأنَّ فيها أعظم الأحجام، وأكبر "الغـُرُفات"، وأعلى درجات النعيم المُقـيم، بعد مَقام "الوسيلة". 9- على جانبي "الفِرْدَوْس" ومن أسفل، توجد "الغُرُفات" الأقلُّ حَجما كُلَّما ابتعدنا، وتقِلُّ بالتدريج حتَّى نصل إلى سُور "الأعراف"، فنجد "الغـُرُفات" التي بالكاد حَصَلَ أصحابُها على أقل درجات النجاح، ولكنهم على الرغم من ذلك سُعداء لمُجرَّد ظهُور أسمَاؤهم في كشوف الناجحين، باعتبار أنَّهُم عُتقاء الرحمَن من النـَّار. 10- ما بين تلك "الغـُرفات"، تتهادى أغصان "شجرة طوبَى"، كما تتهادى أربعة أنواع منَ الأنهار، وردَ وصفها:(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) سورة مُحَمَّـد ، الآية 15 11- هذه الأنهار تـنبع بقدرة الله تعالى، من أصل الجنـَّة وهو: "مركز القاع"، عند بداية "شجرة طوبَى"، ولذلك تأمَّل ما جَاءَ في القرآن الكريم بشأن أنهار الجنة: (جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ)، وردت ثلاثة وثلاثين مَرَّة "مِنْ تَحْتِهَا"، ولم ترد مرَّة واحِدة من فوقها، لأنَّ من قدرة الله تعالى في الجنـَّة أن تسير الأنهار من المُستوى الأدنى إلى المُستوى الأعلى، بعكس أنهار الدُّنيا التي تحتاج إلى مَيْل مُستوى الأرض لكي تسير في مجراها، وأن جميع "غُـرفات" المؤمنين في الجنة - حتى أدناها مستوى - تكون أعلى من منابع أنهار الجنـَّة. ** وبذلك تكون جميع "غـُـرفات" المؤمنين أو جنـَّاتهم، كما وردت في مُحكم التنزيل سِـت وعشرين مرَّة، قوله تعالى: (جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ)، ووردت: (جَنَّاتٍ)، بكسر التاء. (تَجْري مِنْ تَحْتِهَا)، وهو ما يحتمل أن يكون فوق جنـَّة ثانية، حتى نصل إلى مقام: "الوسيلة"، الذي تجري من تحته الأنهار، وليسَ فوقـه. 12- من أسمَاء أحيَاء الجنـَّة: الفِرْدَوْس، وعَدْن، والنَّعِيم، والمَأوَى، والخُلد، مِثلمَا نقول: المَـدينة تتكون من أحياء كذا، وكذا.. إذ أنـَّه لا فواصل بينها، ولا شيء يُمَيِّزها، غير صبغة الحي التي تميزه عن الحي الآخر. ** مع الفارق الكبير جداً.. جداً، في التشبيه بين: أحياء الجنـَّة، وبين أحياء مدن الدُّنيا. ** بل هناك فرق لا يقارن بين ما أعَدَّ البشرُ للبشر، وما أعَدَّ رَبُّ البشر لعِباده المتـَّـقين. ** وبعد أن اتضحت لنا بعض المعالم من ملامح "جُـغرافيَّة الجنـَّة"، ندخل في بَعض التفاصيل، التي تكمل الصُّـورة، فنصف الجنـَّة التي يَسْكنها كل مؤمن، وهيَ: غرفات الجنـة. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| غـُـرُفـَات الجنـَّة | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الغُـرُفَات: أو "الغُـرَفُ"، ومُفردها "غُـرْفَة"، ورد ذكرها في القرآن الكريم خمسُ مَرَّاتٍ، في النصف الثاني منه، وكـَأنَّ النصف الأوَّل: دَعـوة للعمل، والنصف الثاني: دعـوة للجزاء. ** وهو قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا) سورة الفرقان، الآية 75. ** وقوله: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) سورة سَـبأ، الآية 37. ** وقوله: (لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ) سورة الزُّمَر، الآية 20. ** وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) سورة العَنكبُوت، الآية 58. ** وفي المُعْجَم الوجيز: هي المَكان العَالي المُرتفع، وهي الطبقة الثانية من الدَّار ومَا فوقها. ** وأمَّا في الجنـَّة فهي تـُعَبِّرُ عن نصيب الفرد من المُؤمنين، وهمُ الذينَ يَرثون الجنَّات، فميراث الواحد من أهل الجنـَّة يُسَمَّى "غُـرْفَة". ** وهذه الغُـرْفَة كُـرَويَّة الشكل، عُبارة عن لؤلؤة واحدة مجوفـة في غاية الاتساع. ** وعن الحجم: ما ورد في الصحيح، عن عبد الله بن مَسعُود، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إنِّي لأعْلمُ آخرَ أهْل النَّار خُرُوجاً مِنهَا وآخر أهْل الجَنَّة دُخُولاً، رَجُلٌ يَخرُجُ مِنَ النَّار حَبْواً، فيقولُ اللهُ: اذهبْ فادْخُل الجَنَّة، فيَأتِيهَا فيُخيَّل إليْهِ أنَّهَا مَلأىَ، فيرجعُ فيَقُولُ: يَارَبِّ وجَدْتَهَا مَلأىَ، فيقولُ: اذهبْ فادْخُل الجَنَّة، فيَأتِيهَا فيُخيَّل إليْهِ أنَّهَا مَلأىَ، فيرجعُ فيَقُولُ: يَارَبِّ وجَدْتَهَا مَلأىَ، فيقولُ: اذهبْ فادْخُل الجَنَّة، فيَأتِيهَا فيُخيَّل إليْهِ أنَّهَا مَلأىَ، فيرجعُ فيَقُولُ: يَارَبِّ وجَدْتَهَا مَلأىَ، فيقولُ: اذهبْ فادْخُل الجَنَّة، فإنَّ لكَ مِثلَ الدُّنيَا وعَشرة أمْثالهَا، أو قالَ: أنَّ لكَ عشرَة أمْثال الدُّنيَا، فيقُول: تسْخَر مِنِّي، أو تضحَك مِنِّي وأنتَ المَلِكْ؟، فلقدْ رَأيْتُ رسُولَ اللهِ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نواجذُهُ، وكانَ يَقُولُ ذاكَ أدْنَى أهْل الجنَّة مَنزلَة". ** ونحن نعرف أّن كَوكَبَ الأرض لم يَمتلِكهُ بشرٌ من قبل، فكيف إذا أعْطِيَ أقل أهل الجَنَّة كوكباً في الحَجْم مِقداره عَشرة أمثال الدَّنيا. ** ودُخول الجنـَّة يَتِمُّ بعَـفو صَادر من مَلِك الملُوك، ورحمتِهِ التي تشمَلُ أولياءه. ** وأمَّا أحْجَام المَنازل، فينالهَا العَبْدُ بتوفيق اللهِ له في الطَّاعة، وعلى قدر المَجموع تكون الدَّرجة، وهيَ درجاتٌ عَاليَة، والفرُوق بينها عظيمة جداً، كما رَوَى أبو عيسى الترمذي، والإمام أحمد، عن عبد الله بن عُمَر، أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إنَّ أدْنى أهْل الجَنَّة مَنزلةً لمَن يَنظرُإلى جنَانِه وأزواجهِ ونعِيمِهِ وخَدَمِهِ وَسُرُرهِ مَسِيرة ألف سَنةٍ، وأكرَمَهُم على اللهِ مَن يَنظُرُ إلى وجهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّة، ثمَّ قرَأ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلَىَ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) سورة القِيَامَة، الآيتان 23،24. ** و"الغًرفَات" مُتباعِدَة عن بعضها البعض يفصلُ بينها فضاءٌ سَحيق، كالذي يفصل بين النـُّجُوم، ولا توجد مشكلات على الحُدُود كما في الدُّنيا، ولا جواسيس يستكشفون ما يجري بالدَّاخل. ** وهي إجابة السُّؤَال عن الحدود الفاصلة بين أملاك أهل الجنة. ********** الدَّليـلُ من القـُرآن، والسُّـنة** أمَّا الدَّليل على ذلك المثل الذي ضربناه، وأننا لم نذهب بعيداً، فهو كالآتي: ** وردت القـُرآن الكريم، آيات تحدَّثت عن مَساكِن المؤمنين في الجنـَّة، وبيَّـنت أنَّ اسمها "الغُرُفَات"، وبناء عليه تمَّ البحث عن المُواصفات التي وردت في القرآن والسُّنة معاً، والتي تصفُ لنا هذه "الغـُرُفَات" تصريحاً، أو تلميحاً. ** ومن قوله تعالى: (لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ) سورة الزُّمَـر، الآية 20. ** يتـبيَّن لنا أنَّ مَساكن الجنـَّة، يعلو بعضها فوق بعض، وهو: عُـلو في المكانة، بدون تماس أو التصاق كمنازل الدُّنيـا. ** كما نفهم ذلك من الحديث الذي رواه الإمام مُسلم، عن سهل بن سعد، وأبي سعيد الخدري، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: "إنَّ أهْلَ الجنَّة ليَتَرَاءَوْنَ الغُرفَة فِي الجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الكَوكَبَ فِي السَّمَاءِ". ** وعَن أبي سعيدٍ الخُدري مِثلهُ إلاَّ أنَّهُ قال: "الكوكب الدُّرِّيَّ فِي الأفق الشَّرْقِي أو الغَرْبي". ** وروى الإمام البخاري، وأبو عيسى الترمذيُّ، والإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ فِي الْغُرْفَةِ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الشَّرْقِيَّ، أَوْ الْكَوْكَبَ الْغَرْبِيَّ، الْغَارِبَ فِي الأُفُقِ، وَالطَّالِعَ، فِي تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ؟، قَالَ: بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَأَقْوَامٌ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ". ** من هذين الحَديثين يتبيَّنُ لنا بجَـلاء أنَّ أهل الجنـَّة يَسْكُنُونَ "الغُـرَفَ"، بحسب الدَّرجات التي حصلوا عليها في امتحان الحياة الدُّنيا، ويشاهدون باقي "الغُـرَفَ" كما نـُشاهد نحنُ كَواكِبَ السَّمَاءِ، وأنَّ جميعَ مَسَاكِن أهل الجنـَّة هِيَ غـُرفٌ مُتفاوتة الحجم، وأقلُّهَا عشرة أمثال الدُّنيا، كما ذكرنا من قبل. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| وصفُ غـرفات الجنـة من الخـَارج | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** لقد بينت الأحاديث الشريفة أنَّ "الغُـرفة" من الخارج مثل اللؤلؤة السابحة في الفضاء، وشبَّهَتها "بالكَوْكَب الدُّرِّي في الأفق"، وذلك لشدَّة انعكاس الضـوء على السطح الخارجي المصقول كالمِرآة، والفائق النعُومَة كالبللور، وهذا الضَّوء المُنعكس على "غُـرُفَات الجَنـَّة" يشعُّ من قناديل العَرش ويَصُبُّ على الجنـَّة من "فتحة القِمَّـة"، حيثُ تستقبلهُ لؤلؤة "الوسيلة" وهي أكبر غُـرُفَات الجَنـَّة، ذات المَقام المَحمُود، والدرجة العالية الرَّفِيعة، وهيَ أعلى "غُـرْفَة" في الجَنـَّة، تستقبل هذا النور الرَّبـَّاني فينعكسُ على سطحِها في جَميع الأرجَاء، ويتوالى انعكاسه على سطح جميع غُـرُفَات الجَنـَّة بلا استثناء، في منظر تعْجَزُ الأقلامُ عَن وَصفِه، ويؤثرُ بدَوْره على أغصَان شجرة طوبى التي تتهادى خلال "الغُـرُفات"، فيُسْمَعُ لأوراقِهَا حَفِيفٌ يأخذ بالألباب، ولم يخطُر على قلب بشر من قبل، ومن شِـدَّة الضِّيَاء يكُون السَّطحُ الخارجي للغُرْفَـة كالمرآة لا يُفصِحُ عمَّا بداخله. وهو ما رواه الإمام أحمد، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: لِمَنْ أَلاَنَ الْكَلاَمَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ للهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ". |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| وصفُ غـرفات الجنـة من الداخـل | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
** لما دخلت بلقيس مَلكة سَبأ، قصرَ سُليْمَان عليه السلام نظرت إلى البلاط، فحَسبتهُ لُجَّة وكشفت عن سَاقيها، كما أخبرنا القرآن الكريم بذلك، والسَّبب أنَّ البلاط كان من البللور الكريستال الذي يُظهِرُ ما تحته، وذلك القصر بَنتهُ الجنُّ لسُليْمَانَ عليه السلام في الدُّنيا، فكيف بالقصور التي بناها ربُّ العالمين؛ لاستضافة عِباده المُتـَّـقين؟. ** رَوى الإمَامين البخاري، ومُسلم، والإمام أحمد، عن عبد الله بن قيس عن أبيه، أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلاً، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ فَلاَ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا". ********** مَزيدٍ من ضَربِ الأمثال ** إنَّ وَصْفَ الغُرفةِ من الدَّاخل يَحتاجُ لمَزيدٍ من ضَربِ الأمثال، دُونَ أن نخلط بينَ حقيقة الواقِع في الجنـَّة، وما نضْربُ به المَثل، فأرضُ الجنـَّة، أو أرضُ الغـُرفَة، أو أرضُ اللؤلؤة، كلها مُسمَّـيَاتٍ مُتعَدِّدَةٍ لشيءٍ واحد، عُبارة عن سُـمْك قشرة اللؤلؤة التي يمكن أن نضرب لها مثلاً: بالبللور الكريستال، الفائق النقاوة، الصَّافي تماماً، فلا يَحجبُ شيئاُ خارجَه، وهو في نفس الوقت يعكس النـُّور المنعكس عليه، فلا يُظهِرُ شيئاً داخله. ********** بلاط القصور داخل الجنـَّة ** عُبارة عن قطعة واحدة مَلساء، ومُتمَاسكة بدون فواصل، ويُشاهدُ الواقف عليهِ الأنهَار المُختلفة التي تجري من تحت قدميـه، وما يحيط بها من نعِيم يَسُرُّ النَّاظرين، وهُو من قوله تعالى: (جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ). ** كما يرى الأنوار التي تتلألأ في جَوِّ الجنـَّة، وتأتيه مَعَهَا أصوات الطيُور المُغرِّدَة بأعذب أصوَات الغِناء، بحسب رغبته، وميوله، فكلُّهَا من نِعَـم الرحمن لعِباده، تكريماً لهُم وهُم في ضيافته. ** القصور في الجَنـَّة تـُسَمَّى "الخِيَام"، من قوله تعالى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الخِيَام) سورة الرَّحمن، الآية 72. ** وهيَ على شكل القِبَاب وكلهَا من اللؤلؤ، ومن أنفَس أنواع الجَواهِر، مُجَوَّفة من الدَّاخل، وفي كلِّ قصر منها "حُـوريَّة" يتبعها الخدم من الولدان المُخلدون، وتحتوي على جميع المَلذاتِ والأطايب، وكُل ما يَخطر، وما لم يخطـر على بال، وهذه القصُور مُنتشرة في كلِّ ناحيةٍ داخل اللؤلؤة الأم، وهيَ: "الغُرْفة"، وبينها مسافات شاسعة جداً مُترامية الأطراف، بحيث لا يَرَىَ بعضهم بعضاً. ** أمَّا عن نعيم الجنة، وما أعَدَّه اللهُ لعباده في خِيامهم، فقد ورد في الصحيح، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: "... ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، فَتَقُولاَنِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ، فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ". ** ومن أجر الشهيد، ما رواه الترمذيُّ، وأحمد، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، أنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ". ** ومن أهل الجَنَّة منْ يُزوَّجُون اثنتين من الحور العِين، ثمَّ يرثون ما فاء الله عليهم من مِيراثِ زوجات، وحوريَّات الذين دخلوا النـَّار، لأن الجنـَّة واسعة، وفيها نصيبٌ لكلِّ مُكَلفٍ من الإنس والجِّن. ** وتِعْدَاد الذين دَخلوا الجنـَّة من أولاد آدم عليه السلام واحِد من كُلِّ ألفٍ، فمن بَقِيَ من الزوجات، والحوريات، والغـُرُفات، بدون أصحاب، يتمُّ تقسيمها على أهل الجنـَّة لأنهمُ الوارثـُون، الذين وردَ في حقهم قوله تعالى: (أُولئِكَ هُمُ الوَارثـُونَ) سورة المؤمنـون، الآية 10. ** وأمَّا المَسَافات الشاسِعة جداً جداً حولَ القصُور فتوجد فيها البسَاتين الباسقة بجميع أطايب الثمَر التي تخلبُ العقول، والحَدائق ذات البهجة فيها أنواعٌ الزهور، والريَاحين من كل صنفٍ ولون، وأمَّا سيقان أشجار البساتين الباسقة، والحدائق ذات البهجة، وأغصانها، فكلها من الذهب، بين شامخة، ودانية تجري بينها الجَداول، والأنهَار، مَاؤهَا رقرَاق، صَافٍ، أبيض من الثلج النـَّاصِع، وأحلى من العَسل المَعقود، يتهادىَ بينَ شَاطئين من الذهَبِ الخالص، وألوان من الطيور المُتعددة الأشكال، والأنواع، والألوان. ** أما الأرض فحَصْبَاؤُهَا من الدُّرِّ واليَاقوت، وترابُها من المسك الأزفر، وتمُرُّ سَحَابة فتنـثرُ أنواعاً من العطور، لم يشمَّ أطيب منه من قبل، وكُـلَّمَا مَـرَّ يجد له رائحة أطيب من التي سبقت، حيث يتحوَّلُ المكان إلى عِطر خالص، من النوع الذي يحبُّ، أو يميل إليه. ********** وَسِـيلة الانتقـال
** سِـي السَّـيِّد: هو الرجل الوحيد في كل تلك "الغُرفة" من الجنـَّة، "التي يبلغ حجمها عشرات المرَّات مثل كوكب الأرض"، وهوَ الذي يتمتـَّع بكل هذا النعيم؛ لأنـَّه أحد عباد الرحمن الذين شهدوا له بالوحدانيَّة، ولم يشركوا معه أحدٌ في مُـلكه، فأثابهم جنـَّة عالية، قطوفها دانية، تحتو على ما تشتهي الأنفس، وما لا يخطر على قلب بشر قط. ** ذلك الرَّجُل يَحتاج إلى وسيلة مُواصَلات، تتميز بالكمال، فهي: 1ـ سَريعة، ومُريحة، تجعله يقطعُ هذه المسافات الشاسعة، في الزمن الذي يريده. 2ـ لا تحتاج إلى صيانة قط، ولا تتعرَّض لأي نوعٍ من الأعـطال. 3ـ تكون جاهزة للعمل في أيِّ وقتٍ يُريد. ** وتلك "المَرْكَبَة" أعدَّها الله سَلفاً لضيوفه، تفوق جَميع خيال البشـر وطموحاتهم، وأطلق عليها اسم: "رَفرَفٍ" ذكره في القرآن الكريم، بقوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) سورة الرَّحـمن، الآية 76. ** وورد ذكرها سِتَّ مَرَّاتٍ باسم: "سَـرير"، منها قوله تعالى: (عَلى سُرُر مَّوْضُونةٍ * مُتَّكِئينَ عَليْهَا مُتَقَابلينَ) سورة الواقعـة، الآيتان 15،16. ** والرَّفرَفُ: مُشتق من رفَّ يَرفُّ إذا ارتفعَ، ومِنهُ رَفرَفة الطَّائر بجَناحَيْه، أي تحريكهُمَا، ويقول الإمام القرطبي في تفسيره: "فالرَّفرَف هُوَ شيءٌ إذا استوى عليه الولي رفرفَ به، أي طار به حيث ما يُريد كالمِرْجَاح (يقصدُ الأرجوحة)، فالرَّفرَف خادم من الخدم بين يَدي الله تعالى، له خواص الأمور في مَحل الدُّنُوْ والقـُرب، فهذا الرَّفرف الذي سخرَه الله لأهل الجنَّتين الدَّانيتين، هُو مُـتـَّكأهما وفرشهما، يُرفرفُ بالولي على حافات تلك الأنهار، وشُطوطها حيث شاءَ، إلى خِيَام أزواجه الخَيِّرَاتِ الحسَان". ** وأمَّا "السُّرُرْ المَوْضُونَة": فهيَ صِفاتٌ مُبيِّنة للرَّفارفِ الطائرة؛ أنها مَنسُوجة بنسيج محكم من الذهبِ، مُرَصَّعَة بالدُّرِّ، والياقوتِ والزَّبَرْجَد، بطائِنـُها الدَّاخليَّـة من حرير، واستبرق يسيلُ من شدَّة طراوته، وليونتة، وظاهرها مما يَعلمه الله تعالى، ولا تحيط به عُـقول البشر. ** فوَلِيُّ اللهِ تعالى في الجَنَّةِ، يقطعُ المَسَافات الشاسعة، في طرفة عَين وهو يَجلسُ عَلى سريره "الرَّفـرَف" بكامل زينته، وهيئته، وبهائه، وجماله، أعظم من شهريار الملك، ويَستوي على رفرفه مُتـَّـكِئاً، ويَنوي في نفسه إضمار الجهة التي يُحدِّدُها، ولا يمضي وقتٌ، إلاَّ وفيه غاية المُتعة، حتى يجد نفسهُ في المَكان الذي أراد الوُصول إليهِ، بلا كلل، أو ملل، أو انتظار، أو سأم من تباعُـد المسافات، فيَطوف بجنـَّـتهِ، يُشاهد الجَمَال البديع لقصورها، وبساتينها، وحدائقها، كل ذلك أبدعه له الكريم، السَّابغُ النِّعَم العَظيم. ** وإذا اشتاقَ أولياءُ اللهِ بَعضهم لبعضٍ، تخاطبوا مَعاً بالتلباثي، الذي تحدَّثنا عنهُ من قبل، واختاروا مكاناً للاجتماع، والتزاور في جنـَّة أحدهم، واستوى كل مِنهُم على "رَفرَفه"، أو سَريره، وقصدَ به مكان الاجتماع، في "جَنـَّـة" صاحبه أو "غُـرفته" الموجودة في حي عَدن، أو المَأوى، أو الخُلد، أو الفردوس، وهذه الأحياء رُبَّمَا تبعُدُ عن "غُرفته" بعشرات، أو مئات، أو آلاف الملايين، من السنين الضَّوئيَّة ورُبَّمَا أكثر "بحساباتنا"، ولكن هذه المسافات الشاسعة، لا تعني شيئاً بالنسبة لوَليِّ الله وهو يستقلُّ "رَفـرَفه" مُـتجها لزيارة أصدقائه، فهوَ يصل إليهم في زمن، لو شاءَ لكان غمْضة عين، فيلتقون في مَوعِدهم، ويجلسون على سُررهِم مُتقابلين، وهكذا وَصَفَ الخَلاقُ العَليمُ مَجلِسَهُم هذا، بقوله تعالى: (عَلى سُرُر مَّوْضُونَةٍ * مُتَّكِئينَ عَليْهَا مُتَقَابلينَ * يَطُوفُ عَليهِم ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بأكْوَابٍ وَأبَاريقَ وكَأسٍ مِّن مَّعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ولا يُنْزفُونَ * وفاكهَةٍ مِّمَا يَتَخَيَّرُونَ وَلحْمِ طَيْرٍ مِّمَا يَشتَهُونَ * وحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزاءً بمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة الواقعـة، الآيات من 15- 24. ** فيتذاكرون ما كان من أحوال الحياة الدُّنيا، وكيف نجَّاهُم اللهُ تعالى من بين أنيابها وأدخلهم الجنَّـة، وقد يتفكهون على أصحاب السوء، الذين كانوا معهم في الحياة الدنيا، ثمَّ فارقوهم، وأبوا أن يُسايروهم في إثمهم، وهو قوله تعالى: (إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ* وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ) سورة الصَّـافات، الآيات من 40- 57. ** ثمَّ يَنفَضُّ مَجلسُهم على أمل تجدُّد اللقاء، وكل أمـل عندهم يتحقـق. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| العـودة للأعـلى | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||