|
** يحتاج
النعيم والخلود في الجنة إلى جسد آخر غير ذلك الذي شهد الإنسان
به مشاهد القيامة، فلقد خلق الله تعالى الأرواح كلها دفعة
واحدة، ثم أبقاها في عالم الذر، ثم بعثها إلى عالم الأرحام
لابتداء التكليف (فأصبح جسدًا يأخذ تغذيته وهواءه من أمه)، ثم
خرج إلى عالم الحياة الدنيا فأصبح نفسا بشرية لها رزقها وعليه
السعي، ثم قضى أجله فدخل إلى عالم القبور في جسد آخر يصلح لتلك
المرحلة له مكان في البرزخ وتعلق بالقبر، ثم تقوم القيامة
فتنبت الأجساد من أرض الدنيا كحميل السيل، ثم يتم نقل تلك
الأنفس بأجسادها التي يشع منها نور أبيض للأبرار وأزرق للفجار،
يتم نقلها إلى أرض القيامة، وهي أرض جديدة وسماء جديدة، حيث أن
الأرض الأولى والسماء الأولى قد مضتا، وهو قوله تعالى: (يَوْمَ
تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا
للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)
سورة إبراهيم، الآية رقم: 48، وفي ذلك اليوم ترتعد الفرائص
ويملك الخوف كل الخلائق إلا من عصمه الجليل برحمته، ثم يقضي
الملك بين الخلائق فيصير ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام
كما ورد في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا
بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ
للرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ"،
وذلك لكي يذوق الذل والمهانة جزاء ما اقترفته يداه في الدنيا.
** وأما أهل
الخلود في الجنة (اللهم
اجعلنا منهم ومعهم في عليين.. آمين)
فيدلفون بعد عبور الصراط إلى نهر يُسمى
"نهر الحيوان"،
حيث يتم لهم النشأة الآخرة والإعداد المتميز لتلقي نعيم الجنة،
وأدناه: الحور العين، وأعلاه النظر إلى وجه الرحمن سبحانه
وتعالى، ونأخذ مثالا بالمرأة الصالحة من أهل الجنة تكون أعلى
منزلة وأبهى صورة وأروع مكانة وأجمل رونقا وشبابا دائما وعذرية
مستديمة وتتفوق كثيرا جدا عن الحور العين فيتحولن لها خدما،
وهو قوله تعالى: (وَفُرُشٍ
مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً *
فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا)
سورة الواقعة، الآيات من رقم: 34 : 37.
** والاستمتاع
بنعيم الجنة يقع ضمنه نزع الصفات الدنية من صدور أهلها، قوله
تعالى: (وَنَزَعْنَا
مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ
مُتَقَابِلِينَ)
سورة الحجر، الآية رقم: 47، واكتساب أهل الجنة صفات الكمال
والجمال المتمثلة في: جمال الصورة، وشباب السن، وقوة الجسد
ومواصفات الطول، وذلك التغيير يتم في نهر الحيوان المحيط
بأبواب الجنة، والذي يماثل حلقات كوكب زحل (للتشبيه فقط)، وكما
روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله
وَسَلَّمَ: "إِنَّ
أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ
الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ
عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً،
لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ
يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمْ
الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ الأَنْجُوجُ عُودُ
الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمْ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ
رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ
ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ".
**
وَمَجَامِرُهُمْ:
بخورهم.
**
الأَلُوَّةُ
الأَنْجُوجُ:
نوعان من أعواد البخور الفخيمة.
** وفي الحديث
الشامل التالي تفاصيل رحلة الخلود كما رواها البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ قَالَ: "هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ
وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟، قُلْنَا: لاَ قَالَ
فَإِنَّكُمْ لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ
إِلاَّ كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، ثُمَّ قَالَ:
يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا
يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ
وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ وَأَصْحَابُ
كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ
يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ
كَأَنَّهَا سَرَابٌ فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ
تَعْبُدُونَ؟، قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ،
فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ للهِ صَاحِبَةٌ وَلاَ وَلَدٌ،
فَمَا تُرِيدُونَ؟، قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ:
اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ:
لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟، فَيَقُولُونَ: كُنَّا
نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ لَمْ
يَكُنْ للهِ صَاحِبَةٌ وَلاَ وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟،
فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا،
فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ
يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ:
مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟، فَيَقُولُونَ:
فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ
وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِيَلْحَقْ كُلُّ
قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ
رَبَّنَا، فَيَأْتِيهِمْ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ
صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ:
أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَلاََ
يُكَلِّمُهُ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ، فَيَقُولُونَ: السَّاقُ،
فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ،
وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً،
فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا
وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ
ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا
الْجَسْرُ؟، قَالَ: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ.. عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ
وَكَلاَلِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ
عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ،
الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ
وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ،
وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى
يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ
لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ، قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ
الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، وَإِذَا رَأَوْا
أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا
إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا
وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا
فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ
إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، وَيُحَرِّمُ اللهُ صُوَرَهُمْ عَلَى
النَّارِ، فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي
النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ.. وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ،
فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ:
اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ
دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ
يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي
قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ،
فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ
تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)،
فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ،
فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيَقْبِضُ
قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدْ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ
يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ
كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ
رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ وَإِلَى جَانِبِ
الشَّجَرَةِ فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ
أَخْضَرَ وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ،
فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤُ فَيُجْعَلُ فِي
رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ
أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ
أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلا
خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ
وَمِثْلَهُ مَعَهُ". |